من طرق معرفة الغيب؛ الإستخارة،
ومن يراجع كتاب (ما وراء الفقه) للسيد الصدر يجد بحثاً ممتازاً في حجية الإستخارة، يقول في فقرة منه: (إن الإنسان المؤمن إذا ما استنصحه أخاه المؤمن فإنه لا يغشه، فكيف بالله تعالى)؟ أقول أم لعلكم تخافون أن يحيف الله عليكم ؟ ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وللسيد ابن طاووس الحسني الحلي كتاب بعنوان ( فتح الأبواب بين ذوي الألباب وبين رب الأرباب في الاستخارات )، أورد فيه أدلة كثيرة على الإستخارة؛ منها قوله: ( إعلم أنّني وجدت تدبير الله جل جلاله لمصالح عباده ما ليس هو على مرادهم ، بل هو على مراده ، وما ليس هو على الأسباب الظاهرة لهم في المكروه والمأمول ، بل هو لما يعلمه الله جل جلاله من مصالحهم التي لا يعلمونها ، أو أكثرها ، إلآ من جانبه جلِّ جلاله ، ومن جانب الرسول ( صلّى الله عليه واله ) ، ولو كان العقل كافياً في الاهتداء إلى تفضيل مصالحهم ، لما وجَبَتْ بعثة الأنبياء ، حتى أنَ في تدبير الله جلّ جلاله في مصالح الأنام ما يكاد ينفر منه كثير من أهل الإسلام .
فلما رأيت تدبيري ما هو على مرادي ، ولا على الأسباب الظاهرة في معرفتي واجتهادي ، وعرفت أنّني لا أعرف جميع مصلحتي بعقلي وفِطْنتي، فاحتجتُ لتحصيل سعادتي في دنياي وآخرتي ، إلى معرفة ذلك ممَن يعلمه جلّ جلاله ، وهو علام الغيوب ، وتيقنت أنّ تدبيره لي خير من تدبيري لنفسي وهذا واضح عند أهل العقول والقلوب ، ورأيت مشاورته جل جلاله بالاستخارة باباً من أبواب إشاراته الشريفة ، ومن جملة تدابيره لي بالطافه اللطيفة ، فاعتمدت عليها ، والتجأت إليها ).
ويقول أيضاً : (إعلم أنّني وجدت الله جلّ جلاله يقول عن الملائكة ـ الذين اختياراتهم وتدبيراتهم من أفضل الاختيارات والتدبيرات ، لأنّهم في مقام المكاشفة بالآيات والهدايات . أنّهم عارضوه جلّ جلاله لمّا قال لهم : ﴿إنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا اَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فيها وَيَسْفِكُ ألدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ﴾ فقال جلّ جلاله لهم : ﴿إنّي اَعْلَمُ مَا لا تَعْنمُونَ﴾ فعرّفهم بذلك أنَ علومهم وأفهامهم قاصرة عن أسراره في التدبير المستقيم ، حتّى اعترفوا في موضع آخر فقالوا : ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاّ مَا عَلَّمْتَنَا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيمُ﴾.
فلمّا رأيت الملائكة عاجزين وقاصرين عن معرفة تدبيره ، علمتُ أنّني أعظم عجزاً وقصوراً ، فالتجأت إليه جلَّ جلاله في معرفة ما لا أعرفه إلا من مشاورته جلّ جلاله في قليل أمري وكثيره ).
ويقول كذلك : (ثم وجدت الأنبياء الذين هم أكمل بني آدم ، قد استدرك الله عليهم في تدبيراتهم عند مقامات ، فجرى لآدم ( عليه السلام ) في تدبيره في أكل ثمرة الشجرة ما قد تضمّنه صريح الايات ، وجرى لنوح ( عليه السلام ) في قوله : ﴿اِنَ أبني مِنْ اَهْلي وَاِنَ وَعْدَكَ اْلحَقُّ﴾ ممّا لا يخفى عمّن عرفه من أهل الصدق ، وجرى لداود ( عليه السلام ) في بعض المحاكمات ما قد تضمّنه الكتاب ، حتى قال الله جلّ جلاله ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ اَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَاَنَابَ﴾، وجرى لموسى ( عليه السلام ) لمّا اختار سبعين رجلاً من قومه للميقات ، ما قد تضمنه صريح الآيات.
فلمّا رأيت الأنبياءـ الذين هم أكمل العباد في الإصدار والإيراد ـ قد احتاجوا إلى استدراكٍ عليهم في بعض المراد ، علمتُ أنّني أشدّ حاجة وضرورةً إلى معرفة إرشادي ، فيما لا أعرفه من مرادي إلا بمشاورته سبحانه وإشارته، فالتجأت إلى تعريف ذلك بالاستخارة من أبواب رحمته).
ويقول : (ثمّ وجدت صريح القرآن قد تضمّن عموماً عن بني آدم بواضح البيان، فقال : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ وقال جلَّ جلاله : ﴿للّهِ الْأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ وقال جلَّ جلاله: ﴿وَلَوِ اتَبَعَ الْحَقُّ اَهْوَآءهُمْ لَفَسَدَتِ ألسَّموَاتُ وَألإرْضُ وَمَنْ فيهِنَّ بَلْ اَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾، وهذا تصريح عظيم بالشهادة من الله جل جلاله بقصور بني آدم الذين تضمّنهم محكم هذا القرآن، وعزلهم عن الخيرة ، وأن له جلّ جلاله الأمر من قبل ومن بعد، وأنّ الحق لو اتبع أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ، وأنّ أهواءهم كانت تبلغ بهم من الفساد إلى هذا الحدّ .
فلمّا علمت ذلك ، وصدّقت قائله جلّ جلاله على اليقين ، هربت من اختياري لنفسي إلى اختياره لي ، باتّباع مشورته ، ورأيته قد عزلني عن الأمر ، فعدلت عن أمري لنفسي ، وعوّلت على أمره جلّ جلاله، وشريف إشارته، وصدّقته جلَ جلاله في أنّه لو اتّبع الحقّ هواي ، فسد حالي ورأيي ، فاعتمدت على مشورة الحقّ ، وعدلت عن اتّباع أهوائي، وهذا واضحٌ عند من أنصف من نفسه، وعرف اشراق شمسه ).
هذا وقد وردت أحاديث كثيرة عن أهل البيت بشأن الإستخارة، إليكم البعض منها :-
عن أبي عبدالله ع : (صل ركعتين واستخر الله، فوالله ما استخار الله مسلم إلا خار له ألبتة). وسائل الشيعة : باب صلاة الإستخارة.
وعنه ع : (من استخار الله راضياً بما صنع خار الله له حتماً) نفس المصدر. وهذا الحديث يؤكد شرطاً ضرورياً من شروط الإستخارة ، وهو أن يضمر المستخير الرضا بالنتيجة ، أياً كانت .
وعنه ع : (كنا نتعلم الإستخارة كما نتعلم السورة من القرآن ، ثم قال : ما أبالي إذا استخرت على أي جنبي وقعت) نفس المصدر. وقوله (ما أبالي… الخ) دليل على ثقة كبيرة بالإستخارة.
وأكثر من ذلك وردت أحاديث في النهي عن مخالفة الإستخارة وعصيانها، أو التوجه الى أمر، والدخول فيه دون الإستخارة عليه. فعن أبي عبدالله ع : (من دخل أمراً بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر)نفس المصدر.
وعنه ع : (قال الله عز وجل: من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال فلا يستخيرني)نفس المصدر.
وعنه ع وقد سأله بعض أصحابه : (من أكرم الخلق على الله ؟ قال : أكثرهم ذكراً لله وأعملهم بطاعته . قلت : من أبغض الخلق الى الله ؟ قال : من يتهم الله . قلت : وأحد يتهم الله ؟ قال : نعم ، من استخار الله فجاءته الخيرة بما يكره فسخط لذلك ، فذلك الذي يتهم الله)نفس المصدر.
وعن هارون بن خارجة ، قال : سمعت أبا عبداللّه ( عليه السلام ) يقول : ( إذا أراد أحدكم أمراً ، فلا يشاوِر فيه أحداً من الناس حتى يشاوِر الله عزّ وجلّ ، قلت : وما مشاورة الله عز وجل ؟ قال : ( يبدأ . فيستخير الله عزّ وجلّ أولاً ، ثمّ يشاوره فيه ، فإذا بدأ بالله عزّ وجلّ أجرى الله الخير على لسان من أحب من الخلق ).
وعن أبي عبداللهّ ( عليه السلام ) قال : ( ما أبالي إذا استخرت اللهّ علي أيّ طرفيّ وقعت ، وكان أبي يعلّمني الاستخارة كما يُعلّمني السّور من القرآن ) فتح الابواب بين ذوي الالباب :ص148.
وقد أثار البعض شبهة مؤداها: إن الإستخارة لا يُلجأ إليها في الأمور العقائدية، وإنما في الأمور الفرعية فقط .
وفي الجواب أقول : إن صفوان الجمال ، وهو من أصحاب الإمامين ؛ الكاظم والرضا عليه السلام قطع على إمامة الرضا عليه السلام في فتنة الواقفية من خلال الإستخارة .
فعن علي بن معاذ، قال : ( قلت لصفوان بن يحيى: بأي شئ قطعت على علي – أي الرضا ع – قال: صليت ودعوت الله، واستخرت وقطعت عليه) الغيبة للطوسي : 54.
إذن صفوان الجمال قطع بإمامة الرضا عليه السلام بالإستخارة، وهي من المسائل العقائدية، فمن أين لأهل العناد تقييد الإستخارة بالموارد التي حددوها ، والروايات ظاهرة في الإطلاق ؟ وإذا كانوا يصححون الإستخارة في الموارد الفرعية، كما يصفونها فهذا يعني إن الإستخارة، كطريق في الكشف عن المغيب ، طريق صحيح ، ومستوف لشروط الحجية في هذه الموارد ، وهنا نسال : لماذا لا تكون الإستخارة طريقاً صحيحاً ومنتجاً في الموارد الأخرى ؟ علماً أن الإستخارة في الحالتين واحدة من جهة كونها طريقاً في الكشف عن المغيب ، والإختلاف الوحيد بين الموردين هو في موضوع الإستخارة ، والموضوع كما هو معلوم أمر خارجي عن نفس الإستخارة ، بوصفها طريقاً، أقول أيكون السبب بخلاً في ساحة الله ، نعوذ بالله من قول السوء ، فيتسع كرمه في الموارد الجزئية ، ويقصر في الموارد المتعلقة بالعقيدة ؟ وهذه النتيجة تلزمهم حتماً ، إذ طالما كانت الإستخارة كطريق ناهضة ، ومحققة لمطلوبها في بعض الموارد (الموارد الجزئية) فتخلفها في البعض الآخر منشؤه شئ آخر غير نفس كونها طريقاً، لأن القصور لو كان في الطريق للزم التخلف في كل الموارد، فهل ترتضون لنفسكم القول بالنتيجة التي ذكرتها، وتتهمون الله؟ تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
________________________________________________________________________
(صحيفة الصراط المستقيم/ العدد 2/ السنة الثانية/ في 3/ 8/ 2010 م – 22 شعبان 1431 هـ )